حول قضية العنف في الجامعات الأُردنية

لطلاب الجامعات والاكاديميين
أضف رد جديد
صورة العضو الشخصية
Khaled Qudah
مشرف عام
مشاركات: 2927
اشترك في: السبت يونيو 07, 2008 10:18
مكان: Amman - Jordan
اتصال:

حول قضية العنف في الجامعات الأُردنية

مشاركة بواسطة Khaled Qudah » الأحد يونيو 15, 2008 9:32

ابتعدت عن قطاع الطلبة وأجواء الجامعات الأردنية منذ سنوات طويلة. ولا اعتقد أن تجربتي الطلابية الثرية قبل نحو ثمانية عشر عاما تشفع لي للكتابة في الموضوع الطلابي، لكن تفاعلات القضية جعلتها أكبر من مجرد قضية طلابية؛ كما أن الاهتمام بقضية مخرجات عمليات التعليم، وتجربتي التي لم تتوقف في الوسط الأكاديمي، طالبا للدراسات العليا في الجامعات الغربية ومحاضرا جامعيا لاحقا في أكثر من دولة، ومتابعتي المستمرة لما ينشر ويكتب حول الجامعات الأردنية، التي هي أحد أهم مقومات التنمية البشرية وعلامات النجاح في بناء الدولة الحديثة في الأردن، إضافة إلى المناقشات مع الأقارب والأصدقاء الموجودين على مقاعد الدراسة وفي قاعات التدريس الجامعية؛ كل لك أبقى التفكير في موضوع البيئة الجامعية، وفي حالات العنف المتزايدة في الجامعات، ملحا وضروريا.

بداية، فإنّ الدور الاجتماعي للجامعات في الدولة العربية الحديثة، في مرحلة ما بعد الحكم العثماني، هو دور محوري، شأنه شأن مؤسسات الدولة الرئيسة الأخرى، مثل الجيش والمؤسسة البيروقراطية، وبعض المشاريع الصناعية الكبرى، وذلك من خلال إعادة تركيب المجتمع على أسس تعكس أنساقا ثقافية واجتماعية جديدة. وبكلمات أبسط، فإنّ هذه المؤسسات هي مكان ووسيلة لإعادة خلط الفئات الاجتماعية المنحدرة من أصول جغرافية، وعائلية، وحتى قومية وعرقية مختلفة؛ ووسيلة لجعل الحراك الاجتماعي والطبقي ممكنا، على أسس جديدة تعكس متغيرات الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للدولة الحديثة، وتعكس مفهوم الوطن الواحد.

وأشير هنا إلى مقالة كتبها ياسر أبو هلالة في شباط الماضي، في "الغد"، بعنوان "مجتمع في شقاق"؛ اقترح فيها نظام تجنيد إلزامي لمدة 3 شهور لتحقيق هذا الصهر الاجتماعي بين "أبناء البوادي والقرى المعدمة والمخيمات"، الأمر الذي كانت عوامل ومؤسسات تقوم به سابقا، مثل خدمة التجنيد الإلزامي. وبرأيي، فإنّه لو أحسن استغلال البيئة الجامعية، لتمّ حل جزء كبير من المشكلة.

فمؤسسات الدول حديثة التكوين، العسكرية والتعليمية والصناعية الكبرى، ذات وظيفة اجتماعية مهمة، باعتبارها توفر فرصا للعمل، والتنشئة، والتأهيل، والأمن للأفراد، بعكس الفترة العثمانية عندما أدى غياب الدولة إلى الاعتماد على صيغ محلية وعائلية وعشائرية. ومن هنا تصبح الدولة ومؤسساتها، والمؤسسات التي ترعاها في القطاعين العام والخاص، في كل الوطن، محور حياة الفرد. ويصبح شائعا الانتقال داخل الوطن سعيا إلى فرص العمل والتعليم، وهذا يؤدي إلى اختلاط الفئات الاجتماعية من خلال التزاوج من خارج الإطار العائلي والمناطقي، ومن خلال التعارف على الشرائح الاجتماعية المختلفة. والأهم، كما هو معروف في النظريات الكلاسيكية لعلم الاجتماع لإميل دوركايم، يحدث نوع من تقسيم العمل داخل المجتمع، ولا يعود أفراد العائلة يعملون في مهنة واحدة، وتصبح العلاقات الاجتماعية اليومية أكثر اعتمادا على طبيعة الاهتمامات العملية والعلمية والشخصية للأفراد، أكثر من الاعتماد على أماكن سكنهم التقليدية، أو على علاقات "الدم" (القرابة). أي أن نوع العمل، والتخصص العلمي، والاهتمامات والهوايات الشخصية، تصبح أكثر فاعلية في تحديد علاقاتنا ومواقفنا الاجتماعية والسياسية، وهذا كله من مقومات أي دولة حديثة. فمفهوم المواطنة، بما فيه من حقوق فردية، وتساوي فرص، وإقامة للعلاقات الاجتماعية على أساس الاهتمامات والتخصص، هو من أساسيات الدولة الحديثة.

على هذا الأساس، يفترض أن تعنى الجامعات بأن يخرج الطالب من دائرته الاجتماعية الأصغر التي يحتاجها في سنوات حياته الأولى، سواء عائلته الصغيرة (النووية) أو العائلة الممتدة، أو المجتمع المحلي الذي يعيشه، من دون أن يتنكر لها أو ينسلخ عنها، إلى دوائر الوطن الأكبر، وإلى العالم ككل. فالجامعة هي مكان للانفتاح على الفئات الاجتماعية، ومكان للانفتاح على ثقافات وشعوب وأفكار جديدة.

ولكي يحدث ذلك، لا بد أن يقوم به الطالب على أساس فردي، فهو مسؤول عن كثير من القرارات في حياته، وعليه أن يجد متنفسا لطاقاته في كل المجالات، بدءا من الحياة التعليمية والثقافية والمهنية المستقبلية، مرورا بهواياته الشخصية، وصولا إلى تفاعله مع القضايا الوطنية، وحتى بدء التفكير في تكوين أسرته الصغيرة الخاصة. ولكي يحدث هذا أيضا، لا بد أن توفر الجامعات القنوات والنشاطات والسبل لتلبية الاحتياجات الفردية المتمايزة للطلبة، باعتبارهم أفرادا، وليس بالنظر إلى خلفيتهم الاجتماعية أو السياسية؛ وكذلك بتوفير فرص الاختلاط بين الطلبة من الخلفيات الاجتماعية الطبقية والجغرافية المختلفة، بوضع بيئة جديدة للإنجاز الفردي.

الجامعات الأردنية في الماضي كانت مكانا مثاليا لهذه العملية، لكن سلسلة من التغيرات الاجتماعية والإدارية أدت إلى تراجع هذه المهام.

يفترض أن يتعرف الطالب في بداية دخول جامعته على عالم جديد، يبدأ بمساحات النشاطات اللامنهجية التي يمكن أن تجذبه، وصولا إلى التنافس الأكاديمي. وبنظرة مقارنة مع عشرين سنة خلت، سنجد أن الكثير من الظواهر والنشاطات التي كانت تشغل طلبة الجامعة قد اختفت. فعلى سبيل المثال، كان منتخب كرة القدم في الجامعة الأردنية ينافس أكبر الأندية الأردنية. وأذكر، أثناء فترة حياتي المدرسية، حضور مباريات لمنتخب الجامعة مع تلك الأندية في "ستاد عمّان الدولي" بحضور آلاف المتفرجين؛ وأذكر بعض أهم الفنانين والمطربين الأردنيين ممن تخرجوا من مسارح الجامعة؛ كما أذكر خيبة أملي عندما علمت عند دخولي الجامعة أنّ نظاما كان سائدا حتى منتصف الثمانينيات، يتمثل في إعلان أسماء أوائل القسم في التخصصات المختلفة على لوحات شرف، ومنحهم مكافآت وجوائز تقديرية، قد أوقف. وأذكر أنني عرفت الأردن مدينة مدينة، ودخلت قرى من الشمال إلى الجنوب مرورا بالوسط والمخيمات، عبر صداقات الجامعة، والرحلات الطلابية، ومن خلال مسرح الجامعة، وفريق المرسم الجامعي، والأندية الطلابية، وأيام العمل التطوعي.

إنّ القول بالتعصب، بأبعاده المختلفة، سبب فيما يحصل صحيح من زاوية أنّ الجامعة لم تعد توفر فرصة تعميق الفروق الفردية القائمة، وإعادة إنتاج المجتمع استنادا إلى تمايز الاهتمامات؛ ولم يعد هناك تلك النشاطات الطلابية القائمة على التنافس الفردي الذي يعيد تجميع الناس على أساس وطني، بغض النظر عن انتماءاتهم العائلية والجغرافية، وعلى قاعدة الاهتمامات المشتركة.

من الممكن تفريغ الطاقات لدى الشباب على نحو إيجابي بنشر ثقافة التنافس الأكاديمي الفردي، والعودة إلى تمييز المتفوقين وفق عملية شفافة وموضوعية؛ كما العودة إلى الكثير من النشاطات التي تعنى بالطالب كفرد. وفي حالة عدم وجود هذه الفلسفة التي تعتمد على الفرد، فإن الطبيعي أن تملأ العصبيات العشائرية والجغرافية الفراغ. فالطالب سيجد في أقاربه في الجامعة (خاصة مع تنامي عدد الطلبة ووجود أعداد لكل تكوين اجتماعي)، ملاذه لقضاء وقت فراغه، ولتحقيق مكانته الاجتماعية، وطبيعي أن تتحول الانتخابات إلى ساحة تنافس عشائري، ومكان للعصبيات والعنتريات، بعيدا عن العملية التعليمية والحياة الجامعية، بآفاق التميز والإبداع الفردي الإيجابي فيها.

ومن هنا، فإنّ الإجراءات والأطر التي تأخذ شكل هيئات ومؤتمرات واجتماعات طلابية، تشكلها وترعاها إدارات الجامعات لن تنجح في حل المشكلة، لأنّ هذه الهيئات تؤدي إلى زيادة حالة الفرز الطلابي.

ومن ثم، فالمطلوب هو إعادة النظر في فلسفة الجامعات نحو العودة إلى التركيز على "الأفراد"، وعلى التنافس الفردي الإيجابي، وعلى جعل "النجومية" في الجامعة هي نجومية النجاح الأكاديمي والبحثي، ونجومية الاختراع والأدب والشعر والرياضة والفن بأنواعه. ومثلا، إضافة إلى فرق المسرح والرياضة، هنالك حاجات إلى التنافس على قاعدة الدرجات العلمية، والإنجاز الشعري والأدبي، ووضع برامج تحول المتميزين إلى "نجوم" الجامعة والمجتمع، لكي تصبح هذه المجالات هي مجال التميز، وليس الموقع والمكانة بين أبناء العشيرة والمنطقة الجغرافية. وهذه النشاطات ستخلط الطلبة بخلفياتهم وآرائهم الاجتماعية والسياسية والدينية. وهنا، وعلى سبيل المثال أيضا، لا بد من تنشيط حفلات وجوائز التكريم الفردي السنوي للطلبة، وتكثيف الإعلان عن الفائزين بهذه الجوائز داخل الجامعة وخارجها، وإعادة التنافس العلمي والثقافي بين الأقسام والكليات العلمية، لا بين تكويناتها الاجتماعية.

أنا أؤيد، وبناء على خبرة مكثفة في العمل الطلابي، تقليص التسييس في الجامعات، وأعتقد أنّ كثيرا من الأحزاب والقوى السياسية تتعامل مع الطالب الجامعي بانتهازية، سببها فشل الأحزاب في تحقيق قاعدة شعبية في الفئات الاجتماعية الأكبر سنا وتجربة. لكن ذلك التقليص لا يتحقق بالهيئات والأنظمة الانتخابية والطلابية التي تؤدي إلى رد فعل عكسي، بل بإيجاد بيئة اجتماعية وأكاديمية تقوم على "الفرد" واستقلاليته. وبطبيعة الحال، فإن هذا الوضع هو جزء من تغير اجتماعي وإداري واسعين. فالتأكيد على محاربة الواسطة داخل الجامعة، وبعد ذلك في فرص التوظيف، سيكون رسالة مهمة أن الكفاءة الفردية، وليس الانتماء العائلي والفئوي والحزبي، هو المدخل إلى الحياة العملية أو للمكانة الاجتماعية.

بكلمات أخرى، لا بد من فكر يؤمن بالفرد باعتباره لبنة مجتمع ووطن صالح، لا الرد على التسييس بالتسييس، وعلى الاستقطاب بالاستقطاب.


بقلم: أحمد جميل عزم

صورة العضو الشخصية
Khaled Qudah
مشرف عام
مشاركات: 2927
اشترك في: السبت يونيو 07, 2008 10:18
مكان: Amman - Jordan
اتصال:

Re: حول قضية العنف في الجامعات الأُردنية

مشاركة بواسطة Khaled Qudah » الجمعة يناير 29, 2010 4:11

والسؤال هنا متى سيصبح إيجاد الحلول الفعلية والمناسبه لهذه الظاهره من ضمن اولوياتنا؟

أضف رد جديد

الموجودون الآن

المستخدمون الذين يتصفحون المنتدى الآن: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين وزائران